السيد محسن الأمين

151

أعيان الشيعة

على الطريق المذكور أيضا فوائد واسرار وخيرات لا تحصى وأقلها انه بعد ذلك بلغنا ممن سافر على تلك الطريق التي نهينا عنها ان عليق الدواب وغذاء الناس كان في غاية القلة والصعوبة والغلاء العظيم حتى أنهم كانوا يشترون العليقة الواحدة بعشرة عثامنة دراهم عثمانية واحتاجوا مع ذلك إلى حمل الزاد أربعة أيام لعدم وجوده في الطريق لا للدواب ولا للانسان فلو كنا نسافر في تلك الطريق لاتجه إلينا ضرر عظيم لا يوصف بل لا يفي جميع ما كان بيدنا من المال بالصرف في الطريق خاصة لكثرة ما معنا من الدواب والاتباع وكانت العليقة في طريقنا أكثر الأوقات بعثماني واحد بدرهم واحد عثماني وأقل إلى أن وصلنا ولم نفتقر إلى حمل شئ البتة بل جميع طريقنا نمر على البلاد العامرة والخيرات الوافرة فالحمد لله على نعمه الغامرة وكان وصولنا إلى مدينة طوقات صبيحة يوم الجمعة 12 شهر صفر سنة 952 ونزلنا بعمارة السلطان بايزيد وهي مدينة كثيرة الخيرات عامرة آهلة يجلب إليها ومنها أكثر الأمتعة والأرزاق كثيرة المياه والجبال محيطة بها من كل جانب ويليها إلى الشمال واد طويل متسع فيه نهر كبير جدا يشتمل هذا الوادي على ما قيل على نحو أربعمائة قرية شاهدنا كثيرا منها ومررنا فيه يومين بعد خروجنا من طوقات وهذه القرى المذكورة كلها عامرة جدا كثيرة الخير والفواكه متصلة بعضها ببعض لا يفصل بينها شئ وربما يعد الإنسان منها في نظر واحد ما يزيد عن عشر قرى إلى عشرين قرية وكان خروجنا من طوقات يوم الأحد عند الظهر ووصلنا يوم الأربعاء إلى مدينة اماسية وبها أيضا عمارة السلطان بايزيد عظيمة البناء محكمة غاية الاحكام في بقعة متسعة جدا حسنة تشتمل على مطابخ عظيمة وصدقات وافرة لكل وارد فيها مدرسة عظيمة حسنة وحاكم المدينة مع باقي تلك الجهات يومئذ السلطان مصطفى ابن السلطان سليمان وهذا السلطان مصطفى قتله أبوه خوفا على الملك سنة 960 وهي السنة التي خرج فيها إلى حرب الفرس وفيها مات ولده آخر الزمان اسمه جهانكير وهو فارسي معناه آخر الزمان بحلب وقيل إن أباه قتله أيضا وأقمنا بهذه المدينة 16 يوما ثم توجهنا منها نحو القسطنطينية ومن غريب ما رأيناه في الطريق بعد مفارقتنا أماسية بأيام اننا مررنا بواد عظيم لم نر أحسن منه وليس فيه عمارة طوله مسيرة يوم تقريبا وفيه من سائر الفواكه والثمار بغير مالك بل هو نبات من الله سبحانه كغيره من الأشجار البرية وكذا فيه معظم أنواع المشمومات العطرة والأزهار الأرجة ومما رأينا فيه الجوز والرمان والبندق والعنب والعناب والتفاح وأنواع من الخوخ وأنواع من الكمثرى والزعرور والقراصيا حتى أن بعض أشجار القراصيا قدر شجر الجوز الكبير بغير حرث ولا سقي وفيه البرباريس بكثرة ورأينا ومن المشمومات الورد الأبيض والأحمر والأصفر والياسمين الأصفر والبلسان والزيزفون والبان وكان ذلك الوقت أوان زهرها وفيه من الأشجار الجيدة العظيمة شجر الصنوبر والدلب والصفصاف والسنديان والملول شجر البلوط وهذه الأشجار كلها مختلطة بعضها ببعض ورأينا فيه أنواعا كثيرة من الفواكه قد انعقد حبها ولا نعرف أسماءها ولا رأيناها قبل ذلك اليوم ابدا . ثم سرنا عنه أياما كثيرة ثم وصلنا إلى ارض أكثر شجرها الفواكه لا سيما الخوخ والتفاح وأكثر ما اشتمل عليه ذلك الوادي يوجد فيها وسرنا في هذه الأرض خمسة أيام وهي من أعجب ما رأينا من ارض الله تعالى وأحسنها وأكثرها فاكهة مجتمعة بعضها ببعض كأنها حدائق منضودة بالغرس لا يدخل بينها أجنبي وفيها أشجار عظيمة طولا وعرضا وربما بلغ طولها مائتي شبر فصاعدا ودور بعضها يبلغ ثلاثين شبرا فصاعدا ومررنا في جملة هذا السير على مدن حسنة وقرى بعيدة وكان وصولنا إلى مدينة قسطنطينية يوم الاثنين 17 شهر ربيع الأول سنة 952 ووفق الله تعالى لنا منزلا حسنا رفقا من أحسن مساكن البلد قريبا إلى جميع أغراضنا وبقيت بعد وصولي 18 يوما لا اجتمع بأحد من الأعيان ثم اقتضى الحال ان كتبت في هذه الأيام رسالة جيدة تشتمل على عشرة مباحث جليلة كل بحث في فن من الفنون العقلية والفقهية والتفسير وغيرها وأوصلتها إلى قاضي العسكر وهو محمد بن قطب الدين بن محمد بن محمد بن قاضي زاده الرومي وهو رجل فاضل أديب عاقل لبيب من أحسن الناس خلقا وتهذيبا وأدبا فوقعت منه موقعا حسنا وحصل لي بسبب ذلك منه حظ عظيم وأكثر من تعريفي والثناء علي للأفاضل واتفق في خلال هذه المدة بيني وبينه مباحثة في مسائل كثيرة من الحقائق قال ابن العودي ومن قواعد الأروام المقررة في قانونهم بحيث لا يمكن خلافه عندهم ان كل طالب منهم لا بد له من عرض قاضي جهته بتعريفه وانه أهل لما طلب الا شيخنا قدس الله سره فإنه استخار الله سبحانه ان يأخذ عرضا من قاضي صيدا وكان إذ ذاك القاضي معروف الشامي فلم تظهر خيرة وكان بينه وبينه صحبة ومداخلة فبقي متحيرا في أنه يسافر ولا يعلمه ولا يطلب منه عرضا فاقتضى الرأي ان أرسلني إليه لأسوق معه سياقا يفهم منه الاعلام بالسفر ولا اطلب منه عرضا فمضيت وأعلمته بذلك فقال نكتب له عرضا فقلت هو ما قال لي من جهة العرض فقال رواحه بلا عرض لا يمكن لأنه لا ينقضي له الا به البتة لان من عادة هؤلاء الأروام ووقانونهم انه لو مضى امام مذهبهم أبو حنيفة وطلب منهم غرضا من الاغراض يقولون له أين عرض القاضي فيقول لهم انا امامكم ولا احتاج عرض القاضي فيقولون له لا بد من ذلك نحن لا نعرف الا القانون قال وحكى لنا قدس سره انه اجتمع ببعض الفضلاء في قسطنطينية فسأله هل معك عرض القاضي فقال لا فقال إذن امرك مشكل يحتاج إلى تطويل زائد فأخرج له الرسالة المذكورة التي ألفها وقال هذا عرضي فقال لا تحتاج معه شيئا قال طاب ثراه ففي اليوم الثاني عشر من اجتماعي به ارسل إلي الدفتر المشتمل على الوظائف والمدارس وبذل لي ما اختاره واكد في كون ذلك في الشام أو حلب فاقتضى الحال ان اخترت منه المدرسة النورية ببعلبك لمصالح وجدتها ولظهور امر الله تعالى بها على الخصوص فاعرض لي بها إلى السلطان سليمان وكتب لي بها براءة وجعل لي في كل شهر ما شرطه واقفها السلطان نور الدين الشهيد واتفق من فضل الله سبحانه ومنته لي في مدة إقامتي بالبلدة المذكورة في الألطاف الإلهية والاسرار الريانية والحكم الخفية ما يقصر عنه البيان ويعجز عن تحريره البنان ويكل عن تقريره اللسان فلله الحمد والمنة والفضل والنعمة على هذا الشأن ونسأله ان يتم علينا منه الاحسان انه الكريم الوهاب المنان ثم إنه ذكر جملة من غرائب نعم الله تعالى عليه في تلك البلدة قال ابن العودي لم يذكر اجتماعه فيها بالسيد عبد الرحيم العباسي فقد كان قدس سره كثيرا ما يطري ذكره علينا وانه من أهل الفضل التام وله مصنفات منها شرح شواهد التلخيص سلك فيه مسلكا واسعا وسماه معاهد التنصيص في شرح أبيات التلخيص نقل شيخنا جملة منه بخطه وذكر انه إذا تعلق بشرح بيت من الأبيات اتى على غالب أحوال قائلة وأشعاره وما يتعلق به وأطنب ولهذا السيد أشعار في غاية الجودة موجود منها شئ بخط شيخنا في بعض المجاميع لجامع الكتاب قال وكانت مدة إقامتي بمدينة قسطنطينية ثلاثة أشهر ونصفا وخرجت منها يوم السبت 11 شهر رجب سنة 952 وعبرت البحر إلى مدينة اسكدار وهي مدينة حسنة جيدة صحيحة